اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:
موقع يحتوي على الكتب الإسلامية بشتى أقسامها PDF بروابط مجانية ومباشرة وسريعة.
انكب الإمام ولي الدين ابن العراقي على ثلاثة كتب من أكثر كتب الشافعية اعتمادًا وثقلًا: “التنبيه” لأبي إسحاق الشيرازي، و”منهاج الطالبين” للنووي، و”الحاوي” للماوردي، وحررهم “ابن العراقي” فذكر القول الراجح الذي يلزم الفتيا به في المذهب لقوة دليله ووضوح تعليله، إضافة إلى عنايته بتبيين وتقويم وإصلاح ما أبهم في عبارات الكتب الثلاثة، والتعليق على ما يحتاج إلى تعليق منها، والتنبيه إلى دقائق العبارات، والغوص على لطيف الإشارات، وغير ذلك مما يظهر ملكة هذا الإمام الفقهية، والتمكن من قواعده، والتعريف بالراجح من الأقوال إذا احتدم الخلاف، وغير ذلك من الفوائد العزيزة، التي قيدتها براعة هذا الإمام.
بيّن “ابن العراقي” منهجه في تأليف الكتاب فقال في مقدمته: “فهذا تعليق على “التنبيه” و”المنهاج” و”الحاوي”، محكم لتحرير الفتاوي، أذكر فيه ما يرد على العبارة، وما يجاب به عنها، وحيث أقول: (قولهم) فالمراد: أصحاب الكتب الثلاثة المذكورة، وإذا قلت: (قولهما) فمرادي: “التنبيه” و”المنهاج” إلا أن يكون ذلك بعد تنكيت على “المنهاج” و”الحاوي”، أو على “التنبيه” و”الحاوي”، وأقول: (قولهما) فمرادي: الكتابان المتقدم ذكرهما قبل ذلك، لا “التنبيه” و”المنهاج”، وإذا اتفقت عباراتهم في المعنى اكتفيت بعبارة واحد منهم، وإن تفاوتت في المعنى بينت التفاوت بينها، وأتبع ترتيب “المنهاج” في الأبواب والمسائل”.
والتزم المؤلف في كتابه بمنهجه المذكور، وكان دقيقًا في نقله لعبارات الكتب الثلاثة، ولا يذكر عبارات الكتب الثلاثة كاملة، وإنما يذكر فقط ما يريد التعليق عليه، ولا يكتفي في تنكيته بالمقارنة بين عبارة الكتب الثلاثة؛ بل يرجح مع التعليل مبينًا الأولى والأصح والأسلم من الاعتراض، وبعد أن يذكر عبارة أحد المختصرات؛ يشرع في ذكر ما يرد عليها من اعتراضات، ويجيب عنها، كما يهتم بذكر ما يدخل تحت العبارة، وما يخرج منها، وما يستثنى.
واتبع في ترتيب الكتاب كما نص في مقدمته على ترتيب كتاب “منهاج الطالبين” من حيث تقسيم الكتاب إلى كتب وأبواب وفصول، والتزم فيما ذكره من عنوان الكتاب بمثل ما جاء في “المنهاج”، إلا في موضعين:
أحدهما: كتاب الجراح، سماه (كتاب الجنايات)، وقال: “كذا عبر به “التنبيه” و”الروضة”، وهو أحسن من تعبير “المنهاج” و”المحرر” بالجراح؛ لأن الجناية قد تكون بغير جراح؛ كالمثقل والتجويع ونحوهما، لكن الجراح أغلب طرقها؛ فلذلك عبر به “المنهاج””.
ثانيهما: كتاب الجزية، سماه (باب عقد الذمة وضرب الجزية)، وقال: “كذا في “التنبيه”، وحذف ابن يونس في “النبيه” ضرب الجزية؛ لأنها من موجبات عقد الذمة، فلا يترجم بها بابه، واقتصر “المنهاج” على الجزية”.
وقد يشير إلى اختلاف العناوين في “التنبيه” و”الحاوي”، ويقارنه بما أثبته هو من عنوان مطابق لـ “المنهاج”، ثم يذكر الأحسن معللًا ما رجحه.
واتبع أيضاً في ترتيب المسائل داخل الكتاب أو الباب أو الفصل ترتيب “المنهاج”، والمسائل التي انفرد بها “التنبيه” أو “الحاوي” ولا توجد في “المنهاج” يرجئها إلى آخر الباب، ولا يذكر جميع مسائل الكتب الثلاثة؛ بل يتخير منها ما يحتاج إلى تعليق، أو تحرير، أو بيان راجح، أو تقييد مطلق، أو تفصيل مجمل.
وحوى الكتاب كثيرًا من المناقشات والحوارات العلمية التي جرت بينه وبين شيوخه وعلماء عصره؛ كوالده، وشيخه البلقيني، وكذا نقولات كثيرة من كتب الفتاوى، وكثيرًا ما ينقل نصوصًا كاملة دون تصريح أو إشارة إلن مصدر نقله، وقد يكون نقله حرفيًّا؛ وبخاصة في نقله من “السراج على نكت المنهاج” لشيخه شهاب الدين ابن النقيب، وإذا كان التنكيت على “التنبيه” فكثيرًا ما ينقل عن “نكت النبيه على أحكام التنبيه” للنشائي، ويمكن القول إن الكتاب جامع للمختصرات الثلاثة ونكتها وتصحيحها وشروحها.
وقد يرى الناظر في الكتاب لأول وهلة أن المصنف مجرد جامع لأقوال أئمة المذهب، إلا أن الدارس للكتاب والمستقرئ لمسائله يتضح له منهجية المصنف في اختياراته، وذلك بالانتقاء من آراء العلماء ونقولاتهم ما يفيد أنه الراجح عنده وإن لم يصرح به.
ويعد الكتاب مرجعًا لمعرفة الراجح من المذهب الشافعي؛ فقد اهتم المؤلف بذكر رأي الشيخين: الرافعي والنووي وترجيحاتهما، مضيفًا إليهما اختيارات السبكي، وهذا الذي استقر عليه المتأخرون.
ومن اهتمام المؤلف بذكر رأي الرافعي والنووي أنه يعقد أحيانًا مقارنة بين أقوال الرافعي في كتبه والنووي في كتبه، فيذكر كلام الرافعي مثلًا في”الشرح الكبير” ويقارنه بما في “الشرح الصغير” و”المحرر” و”التذنيب”، وكذلك في كلام النووي يعقد مقارنة بين كلامه في “التحقيق” و”شرح المهذب” و”الروضة” و”المنهاج” و”الأذكار” و”شرح مسلم”.
ولم يستدل المصنف بالآيات القرآنية ولا الأحاديث والآثار إلا قليلًا؛ لأن موضوع الكتاب: الجمع بين المختصرات الثلاثة، والتنكيت والتعليق عليها، وتحرير الراجح المفتى به؛ فنزّل المصنف أقوال أئمة المذهب منزلة الأدلة، وعليها يعلق، وبها يستشهد.
اضغط على إحدى أزرار أدوار النشر التالية لعرض الروابط الخاصة بها:
قاضي قضاة الديار المصرية، الإمام الحافظ، وأستاذ المحدِّثين، ولي الدين أبو زُرعة أحمد ابن الحافظ الكبير الشيخ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن أبي بكر بن إبراهيم المعروف بابن العراقي الشافعي، كردي الأصل قاهري الولادة والنشأة والوفاة، وُلِدَ في ذي القعدة سنة 762، اعتنى به والده مبكرًا في صِغَرِه، فرحل به إلى الشام سنة خمس وستين، فأدرك جماعة من مُسنِدِي دمشق, ثم رجع به فحفظ القرآن وعدة مختصرات في الفنون, ونشأ يقِظًا وأسمعه أبوه الكثير ثم طلب هو بنفسِه، فسمع الكثير بقراءته وقراءة غيره, ثم رحل بنفسه إلى الشام ثانية، فسمع الكثير بقراءته وقراءة غيره, ومهر في عدة فنون واشتغل فيها وهو شاب، ونشأ على طريقة حسنة من الصيانة، والديانة والأمانة والعفَّة، مع طلاقة الوجه وحسن الصورة، وطيب النغمة، وضيق الحال، وكثرةِ العيال، إلى أن اشتهَرَ أمره، وطار ذِكرُه. ولما مات والِدُه تقرر في مناصبه الجليلة، فزادت رياسته. برع في علم الحديث، ثم غلب عليه الفقه فبرع فيه أيضًا، وأفتى ودرس سنين في عدة أماكن منذ حياة والده ومشايخه، وتولى نيابة الحكم بالقاهرة، ثم تنزه عن ذلك ولَزِمَ داره مدة طويلة، إلى أن استقدَمَه الملك الظاهر ططر بعد وفاة جلال الدين البلقيني، وخلع عليه وأقره قاضيَ قضاة الديار المصرية في قضاء الشافعية. فباشره بعفة ونزاهة، وشهامة ومعرفة، وصار يصمِّمُ في أمور لا يحتملها أهلُ الدولة, فتمالؤوا عليه ثم صُرِفَ بقاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني، فلزم داره, فحصل له بذلك قهر أداه إلى التلف، ومات مبطونًا شهيدًا في يوم الخميس السابع عشر شعبان عن خمس وستين سنة، ودفن إلى جانب والده، وكثر الأسفُ عليه خصوصًا من طلبة العلم. ولم يخلفْ بعده مثلُه في جمعِه بين الفقه والحديث والدين والصلاح، وله مصنفاتٌ كثيرة، منها: تحفة التحصيل بذكر رواة المراسيل، والبيان والتوضيح لمن أُخرج له في الصحيح وقد مُسَّ بضربٍ من التجريح، وشارك والده في طرح التثريب شرح تقريب الأسانيد، وله الأطراف في أوهام الأطراف، وله المستفاد من مبهمات المتن والإسناد، وشرح الصدر بذكر ليلة القدر، وغيرها من المؤلفات. قال ابن حجر: “صَنَّف أبو زُرعة في الفنون الحديثة عدة تصانيف، وأكمل شرح تقريب الأسانيد لأبيه فأجاد فيه. وشرع في شرح مُطَوَّل لسنن أبي داود، لو كمل كان قدر ثلاثين مجلَّدة بل يزيد. وجمع النكت على المختصرات الثلاثة: التنبيه، والحاوي، والمنهاج. فزاد فيها على من تقدَّمه ممن عمل تصحيح التنبيه، وكذا المنهاج، وكذا الحاوي؛ فإنه جمع بين تصانيفهم وبين ما استفاده من حاشية الروضة لشيخنا البلقيني الكبير. وكان قد جرَّدها فجاءت في مجلدين. وجردها قبله الشيخ بدر الدين الزركشي، وقد ملكتُها بخطِّه، لكن كان قبل أن يجرِّدَها أبو زرعة بعشرين سنة. فزادت في تلك المدة فوائد جمة. واختصر المهمات للإسنوي، وضم إليه فوائد وزوائد من الحاشية المذكورة. وعُقِد مجلس الإملاء بعد أن كان انقطع بموت شيخِنا والده من سنة 806 إلى أن شرع هو فيه في سنة عشر. ولم يزل يملي في كل يوم ثلاثاء، إلى أن مرض المرض الذي توفي فيه، مع ما كان فيه من شغل البال بالدرس والحكم وغير ذلك”.